دراسة حديثة ..العلاقات التجارية اليمنية الخليجية.. دروس الماضي وتداعيات الحرب

 

المشهد الاخير - خاص  

تزايدت التجارة البينية بين اليمن ودول الخليج العربي إبتداء من عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وخاصة بعد إنشاء المنطقة الحرة في جبل علي بإمارة دبي وقد تنامت حجم الواردات من تلك الدول بشكل تصاعدي عبر العقود الماضية وحتى الوقت الراهن، وأصبح الميزان التجاري "الفرق بين الصادرات والواردات" لصالح دول الخليج، فاليمن يستورد العديد من السلع الاستهلاكية ومن الألآت والمعدات ومن المشتقات النفطية وغيرها، سواء كانت خليجية المنشاء أو المعاد تصديرها، ويأتي في مقدمة الدول المصدرة السعودية والإمارات وبعدها تأتي الكويت وعمان، وفي مقابل ذلك تصدر اليمن سلع محدودة وتشكل نسبة ضئيلة من حجم الواردات.


وخلال الخمسة عقود الماضية، ظلت حركة التجارة والاستيراد من دول الخليج تنمو باضطراد ولم تتأثر بالأزمات التي مرت بها العلاقات السياسية بين اليمن ودول الخليج، كما حدث في عام 1990، عقب غزو العراق للكويت، فرغم توتر العلاقات بين اليمن ودول الخليج واتخاذ الأخيرة إجراءات صارمة، شملت ترحيل مئات الألآف من المغتربين اليمنيين، معظمهم في السعودية، وتجميد القروض والمساعدات التنموية، إلا إن تدفق التجارة السلعية ظلت مستمرة من تلك البلدان إلى اليمن، وهذا له دلالة مهمة في السياسات التجارية لدول الخليج والقائمة على تعظيم مصالحها الاقتصادية بعيدا عن المواقف السياسية، فحجم السوق اليمني مهم لاستمرار النشاط الصناعي أو التجاري فيها، حيث يبلغ سكان اليمن قرابة 35 مليون نسمة ويعتمدون على سد احتياجاتهم الأساسية وغيرها على الاستيراد من الخارج والذي يغطي أكثر من 90 من احتياجات السكان.


اتجاهات التجارة البينية

لعبت التجارة دورا مهما في تطوير العلاقات الاقتصادية بين اليمن ودول الخليج، فالجوار بين الجانبين ساعد في نمو وتوسع التجارة بينهما عبر البر أو البحر أو الجو، وبحكم الحدود البرية المترامية الأطراف أو الحدود البحرية بين الجانبين، فإن التجارة البينية تمارس على المسارين الرسمي وغير الرسمي "التهريب"، وكل الدلائل تبين أن التهريب يشكل نسبة مقدرة من حجم التبادل التجاري بين الجانبين، وخاصة التهريب للسلع الثمينة أو للألآت والمعدات وحتى للأدوية والمستحضرات الطبية، ويمكن الإشارة إلى بعض البيانات الرسمية الواردة في التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2014، "قبل الحرب"، فقد بلغ حجم الواردات السلعية من دول الخليج إلى اليمن قرابة 3.9 مليار دولار، مع تفاوت ملحوظ بين الدول، فالإمارات حصلت على حوالي 46% من حجم الواردات، بينما بلغ نصيب السعودية 27%، ثم الكويت بنسبة 20%، والنسبة المتبقية توزعت بين عمان وقطر والبحرين، كما تشير تلك البيانات إلى أن اليمن يأتي في المرتبة الرابعة بين الدول العربية المستقبلة للواردات الإماراتية بعد كل من السعودية وعمان وقطر، مما يؤكد الأهمية الاستراتيجية للسوق اليمني في الشراكة التجارية بين اليمن والإمارات.


وبالمقابل، لم تبلغ الصادرات اليمنية إلى دول الخليج في نفس العام سوى 750 مليون دولار، وتتوزع الصادرات اليمنية بين السعودية (41%)، والإمارات (28%)، والكويت (20%)، والنسبة المتبقية لدول الخليج الأخرى، وواضح أن حجم الصادرات اليمنية إلى دول الخليج تشكل فقط خمس الواردات منها، مما يعني أن الميزان التجاري يميل لصالح دول الخليج والتي استحوذت على حوالي 85% من حجم التجارة البينية بينها واليمن، وهذا يعود إلى التفاوت الكبير في هيكل الإنتاج الصناعي بين الجانبين، رغم أن نسبة مقدرة من حجم الصادرات الخليجية إلى اليمن تندرج تحت ما يسمى إعادة التصدير، ويكون منشاؤها دول أخرى، اليابان أو الصين مثالا.


تداعيات الحرب

خلال فترة الحرب والصراع في اليمن (2015 - 2022)، تأثر حجم التجارة بين اليمن ودول الخليج بشكل نسبي، فرغم تدخل دول التحالف فيها، وتحديدا السعودية والإمارات، وفرض الحصار البري والبحري والجوي على سلطة صنعاء، إلا أن السلع المستوردة من دول الخليج استمرت في التدفق عبر المنافذ البرية في حضرموت والمهرة أو عبر الموانىء البحرية الممتدة من خليج وعدن وحتى المهرة ووجدت طريقها إلى كل المحافظات اليمنية، بما فيها المحافظات الواقعة تحت نفوذ سلطة صنعاء والتي يقطنها قرابة 70% من السكان، ويمثلون سوقا استهلاكية واسعة للمنتجات الخليجية.


وباستخدام بيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2023، يلاحظ أن حجم الواردات من الاقتصادات الخليجية إلى اليمن تراجعت إلى 1.6 مليار دولار، أي أنها تراجعت بحوالي 60% عنما كانت عليه في عام 2014، "قبل الحرب"، ورغم هذا التراجع وفقا للبيانات الرسمية، فإن السوق اليمنية استمرت عامرة بكل السلع الاستهلاكية، الأساسية والكمالية، إضافة إلى السلع من الألآت والمعدات وغيرها، ولم يواجه المستهلك اليمني أي ندرة في السلع المستوردة لدى المحلات التجارية، مما يدل على أن حركة تدفق السلع التجارية عبر الحدود البرية والبحرية، إلى حد ما، بين اليمن ودول الخليج، استمرت بالنمو والازدهار بصورة رسمية أو بشكل غير رسمي "عبر التهريب".


وهنا يمكن القول أن أحد مكونات العلاقات الاقتصادية اليمنية الخليجية ظلت تنمو بوتيرة معقولة خلال العقود الماضية دون أن تتأثر بالتقلبات والأزمات بين الجانبين، ولذلك، هناك حرص شديد من الدول الخليجية لاستمرار التجارة السلعية بينها واليمن وبقية الدول الأخرى لأهمية المساهمة الإيجابية للتجارة في تعزيز فرص النمو الاقتصادي وتنشيط القطاعات الاقتصادية، مثل الصناعة أو الخدمات. وبالمقابل، فإن على الدول الخليجية فتح أسواقها للمنتجات الزراعية اليمنية والتي تتميز بجودة عالية، إضافة إلى تسهيل الإجراءات للشباب اليمني المؤهل للوصول إلى أسواق العمل الخليجية حتى يتحقق نوعا من التوازن في الميزان التجاري أو في ميزان الخدمات بين اليمن ودول الخليج العربي.


أ. د. مطهر عبد العزيز العباسي، 23-5-2026

إرسال تعليق

0 تعليقات